الصحفية درة قمبو توثق تجربتها وأخريات  : شهادة عن الاعتقال والقمع والعنف و التحرش التهديد بالاغتصاب

 جهر أونلاين -الخرطوم:

” لم أستغرق كثيراً وأنا أنظر للرجال الأربعة الذين هاجموا السيارة, حتى أدركت أنهم  يتبعون لجهاز الأمن والمخابرات السوداني, فثقتهم في أنفسهم وهو يحاولون فتح أبواب السيارة بالقوة, ما كان لأحد أن يخطئها, لكنني لم اضطرب , ومضيت لسؤالهم عن هويتهم, عتبت على نفسي لاحقاً لأنني استجبت لأمرهم بالتوجه لمكاتبهم القريبة من حيث أخذوني ورفيقتي, لم أسألهم عن هوياتهم التي لم يعتادوا إبرازها عند اعتقال الناس, كانت الساعة تشير الى  الواحدة والنصف ظهرا” تماما” يوم ١٠ فبراير من داخل سيارتي عند إشارة المرور قرب سجن أم درمان ،هناك تقبع سيدات وآنسات محالات من مقار جهاز الأمن والمخابرات السوداني على خلفية حراك الشارع الوطني ضد النظام منذ ديسمبر الماضي.”

وتواصل الصحفية درة قمبو سرد شهادتها :

“كانت ترافقني طبيبة هي صديقة شقيقتي ، انتبهنا على جماعة من أربعة رجال يحاولون فتح أبواب السيارة وحين وجدوها مغلقة من الداخل فشرعوا يطرقون على زجاجها وسقفها ومقدمتها في محاولة لبث الرعب فينا  ولكنهم لم ينجحوا، كانت النوافذ الأمامية مفتوحة للنصف، فالطقس شتائي دافئ، وبعد منازعات وشد بالأيدي، افلح عناصر الأمن في فتح بابي وأيضا باب رفيقتي، كانوا يصيحون بنا آمرين : (انزلن..انزلن) كنت أسالهم من أنتم؟ فأجابوا نحن جهاز الأمن ويجب أن تذهبن معنا لمقرنا ، قلنا سنفعل.؟ ول تكن هناك أي إجابة.

“المقر كان يبعد قليلا من مكان الاعتداء على سيارتنا، أقل من نصف كيلومتر، وهو مبنى معروف للناشطين والصحفيين، ففي احتجاجات يناير ٢٠١٨، نبه سكان حي (الملازمين) حيث يقع المكتب،عن سماعهم أصوات صراخ من هذا المكان، هو منزل  أرضي عادي كغالب المنازل في السودان ، تفتح أبوابه شرقا، ويستقر على ناصية الشارع، لونه “بيج” مائل للأصفر، أمامه سيارات كثيرة عسكرية ومدنية ، وكذا شأن الأفراد.

وتواصل الصحفية درة قمبو سرد شهادتها :

“دخلنا بعد معركة أخيرة في السيارة في محاولتهم لنزع الهاتف مني، ففي لحظة وقوفنا بالسيارة أمام المكتب، أتصل بي زميلي الصحفي خالد فتحي، فأخبرته بسرعة إنني في قبضة رجال يقولون انهم من المخابرات ووصلنا معهم مكتبهم شرق مستشفى آسيا(كمعلم ظاهر )، وقتها كنت أشعر بألم في كتفي وعنقي بسبب المنازعة الخشنة، لكن لاحظت بدربة الصحفي إنني في مكان معتم عمدا، فالنوافذ مغلقة والأنوار مطفأة و حوائط الغرفة في المدخل مطلية بلون بنفسجي غامق، مررنا منها سريعا” لصالة، وجدنا فيها شابتين تجلسان على كرسيين ووجهيهما إلى الحائط وفي نفس الوضع إلى جوارهما شابان ، لكن على الأرض.

وحضر رجل بورقة مجدولة وقلم، الرجل علم لاحقاً من مجموعة نسائية على” فيسبوك” أن اسمه الهادي ويشتهر بشارون, أتى  شارون ودوّن أسماءنا وعناويننا ومهننا، ثم سألني إن كنت أحمل ما يثبت أنني صحفية، قدمت له من حقيبتي الصغيرة جدا” بطاقة إتحاد الصحفيين، فهو المعادل للنقابة بعد حل النقابة أول أيام إنقلاب الرئيس -وقتها – عمر البشير.

 

شابان يتعرضان للصفع والإهانة.

وتواصل الصحفية درة قمبو سرد شهادتها :

“أخذوا الفتاتين بعد أقل من نصف ساعة من وصولنا، لكن أحضروا شابتين وهن في حالة فزع بائنة  ، احداهن كانت تبكي، بعد قليل حضر خلفها شاب قصير أقرب للامتلاء يرتدي زيا رسميا” مموها”, بلون فاتح  بدرجات البني وعلى كتفه نجمة وحيدة (ملازم ثان)، يحمل في يده عصا على طرفها السفلي حلقة خضراء، ضرب بها الفتاة النحيفة ذات العباءة الوردية فاتحة اللون وهو يقول لها( تقولين إننا لسنا برجال؟) وهي تنتفض وتقول له(لم اكن اتحدث معكم)، ضربها مرتين قبل ان يأتي نفس الرجل ذي الاوراق و يسألها عن اسمها، قالت إنها (وفاء هاشم) وتسكن حي (القلعة) في ام درمان، بعدها صرفوا الشابين الذين تمكنا من التملص من تهمة التظاهر ببراعة، فقد صادف أن قريبة أحدهما طريحة الفراش في مستشفى آسيا المجاور ، فادعى أنه كان بصدد زيارتها، لكنهم لم يصدقوه وأرسلوا احدهم للتأكد، وفي لحظة خلو الصالة من أفراد الأمن ، مال الشاب على رفيقه وأخبره باسمه واتفقا ان يزعم انه مرافق له، وحين عاد المرسل بتأكيد وجود المريضة،أفرج عنهما معا”، لكن بعدهما أُحضر 7 شبان، تناوب أفراد الأمن صفعهم من الخلف بكلتا اليدين مع الركل الذي صاحب إجلاسهم على الأرض متجهين للحائط، وشتائم  متقطعة (سجمانين_ أي خائبين)(سنريكم كيف _تسقط بس_ شعار المحتجين الأوسع انتشارا” في الشوارع).

بعد آذان العصر الذي يرفع عادة في حدود  الثالثة وعشر دقائق, قال الشخص الذي يبدو أنه المسؤول الأول في المكتب بأن علينا أن نستعد للانتقال لمكان آخر حيث سنكمل إجراءاتنا, أيضاً تلقيت بياناته كاملة من ذات المجموعة النسائية  الاسفيرية والتي أكدت بالصور إن اسمه (سامر عبد الرحمن) ، اخذونا بسيارتنا إلى مكتب الأمن الثاني في شارع الأربعين، وهو شهير أيضا” لقربه من رئاسة إدارة شرطة جوازات أم درمان، ولأنه قريب جدا” من مقر سكني، فلم يصعب عليّ الاستدلال على مكانه، وإن كنت لم أره من قبل، هناك وجدنا شابات وشبان وصلوا قبلنا، بما فيهم وفاء ورفيقتها، فنحن تأخرنا قليلا” لاننا سلكنا شارع أبعد بأمر مرافقنا رجل المخابرات.

بعد وقوف قصير إلى الحائط و محاولات استفزاز لنا ، ادخلونا بالتوالي غرفة التحقيق، وجدت فيها محقق على الطاولة وثان يجلس جانبا” على كرسي عادي ويمسك بهاتفه، لكن في المدخل عند الباب كانت تجلس فتاة لا تقوى على الجلوس في كرسي ولا الوقوف ولا تقوى على التمدد أرضا”، وتبكي بشدة ولا تكاد تتوقف دموعها ، تتكئ على يد كرسي جلوس وتحرك ساقها اليمين بكلتا يديها وهي تبكي وتتألم، عرفت لاحقا” بعد كتابتي عنها في فيسبوك إنها طبيبة تدعى (هيبات الشيخ)  وتواصلت معها، وحكت إنها سحلت سحلا” قبل رميها في سيارة الاعتقال وضربوها بكل ما أُوتوا من قوة، حقق معي الرجل الجالس على الطاولة وكان متضايقا” من ردودي لدرجة الصراخ في وجهي حين نفيت ان يكون لي إنتماء سياسي ، وانني لم أضبط في مظاهرة .

محاولات ترهيب فاشلة.

وتكمل الصحفية درة قمبو سرد شهادتها :

أمر من فتح الباب بعد جلوسي في الكرسي بأخذي لبقية البنات كما قال،تبعته في ممر ضيق في الطابق الأول حيث مكتب التحقيق، وأدخلني لغرفة مظلمة، لا يضيء عتمتها إلا نور الممر، وجدت فتيات كثيرات يفترشن الارض، وفي الباب يقف شخصان يحدثان المعتقلات عن خطأهن ويحاول  ترهيبهن بأن (هل يعلم أهلكن بانكن مقبوض عليكن الآن؟) ، بعدها حضر ثالث بقائمة أسماء بدأ بتلاوتها( فاطمة، ولاء، هند، سولارا، سارة، زينب_رفيقتي_ أمل ، صفاء، ضحى) لا اذكر بقية الأسماء، وبعد جدل ومناقشات ناداني بحدة (درة، احملي أشياءك، فأنت لن تبقي هنا معهن)، نزلت خلفه الدرج للطابق الأرضي، سحب كنبة مهترئة مهملة ووجهها إلى الحائط تحت السلم وأمرني بالجلوس، لكن مع أذان المغرب، حضر آخر قابلته هنا في مكتب الملازمين وقال لي انني استطيع الذهاب لغرفة الفتيات .

الغرفة كانت في حقيقتها مخزن، به صف مراتب جديدة يرتفع للسقف، وآخر أقل منه بقليل، وفي ركنها المقابل اجهزة معطلة مهملة، طابعات ورق كبيرة، وأخرى صغيرة من النوع الذي يلحق بالكمبيوترات ، ومكبرات صوت من النوع الذي يضع على السيارات وتلك التي تنصب في مساحات كبيرة، النافذة مغلقة ويوجد قرب المراتب كمية من حقائب الظهر المبرقعة بدرجتين فاتحتين من اللون البني ، هذه التي يحملها جنود قوات الصاعقة.

  • حالات تحرش جنسي وتهديد بالاغتصاب .

وتتواصل شهادة الصخفية درة قمبو عن تجربتها وتجربة اعتقال الشابابت اللآتي القت بهن أثناء اعتقالها :

بعد نصف ساعة من المغرب عادوا بالقائمة وتلوا عشرة أسماء فقط، إذ علمت من تلاوة القائمة الأولى إننا (١٣) فتاة،وحين اعيدت قراءة الأسماء ، لم اكن معي وفتاتين من ضمن المأمورات بالخروج، لكن على عجالة انتهزت انصراف الرجال الثلاثة، وسألت الفتيات عما حاق بهن، فأجمعن كلهن انهن تعرضهن للضرب والصفع اثناء القبض عليهن، بينما حكت ٨ منهن انهن  تعرضن للتحرش بشكل مباشر، حكت لي احداهن ان رجل المخابرات كان يتحسس أفخاذها ويقول لها( ش… كبيرة، هذا الشحم الكثيف يقول ذلك) ، وقالت أخرى كان يقرصها في مؤخرتها ويقول لها إنها مؤخرة جميلة يستمتع بها، بينما كانت الثالثة تروي بغضب انه الرجل كان يضع يده على كتفها ويقول لرفاقه(هذه لي..ستكون لي، دعوها لي) وحين أزاحت كتفها من يده بنفور، لم يعاود لمسها، وبسؤالهن عن هل يمكنهن التعرف على  هؤلاء المنتهكين ، قلن إن أغلب عناصر الأمن المتحرين كانوا ملثمين، حدث كل هذا في سيارات الدفع الرباعي المكشوفة(بيكآب)، والتي يستخدمها حصرا” الجيش وأيضا” قوات الأمن والمخابرات، لكن الجيش يضع عليها لوحات، بينما تسير غالب سيارات المخابرات دون لوحات.

وحكت فتيات أخريات عن تحسس صدورهن وافخاذهن وتهديدهن بالاغتصاب وشتمهن بأنهن عاهرات لم يخرجن إلا طلبا” للجنس و(سيجدنه عندنا))

حتى أنا خلال الاحتجاز وبحضور كل الفتيات، شاهدت احد افراد المجموعة التي تحتجزنا وهو يهددنا جميعا” بالاغتصاب، ففي لحظة قالت له احدى المعتقلات (ماذا لو تركتمونا ننزل هذه المراتب؟ نحن على بلاط بارد وتعبنا من الجلوس) فكان رده ( إياكن أن تنزلن المراتب، ولو فعلتن) سكت لبرهة ثم أردف بلكنة ذات  مغزى “ستندمن على اليوم الذي جعلكن تنزلنها “.ففهمنا كلنا ما يقصد وصمتنا.

بعد أخذ الفتيات العشرة بقيت مع معتقلتين وتعارفنا، سولارا دهب وسارة الصادق، ثم أخذوهن بعد نصف ساعة وبقيت وحدى لساعتين، ليحضروا بفتاتين ، آمنة ياسر ومهاد محمد عبد الله، كان الوقت تجاوز الثامنة والنصف بقليل، قلن انهن ألقي القبض عليهن في شارع الأربعين في مظاهرات بعد مغيب الشمس، شعرت بانتعاش بعد حالة الخمول التي اعترتني عقب خروج سولارا وسارة, وبقائي وحدي, إذ فوجئت بأن المظاهرات كانت مستمرة حتى ذلك الوقت المتأخر, بدأت تجاذب أطراف الحديث مع الفتاتين المتوجستين, فالأسافير تحكي عن المعتقلات التي يدس فيها جهاز الأمن والمخابرات أفراده بين المعتقلين كجواسيس, وهن أصلاً دخلن الغرفة بخدعة مخيفة’ إذ أخبرهن  الرجال الذين أحضروهن أمامي إن المكان يعج بالعقارب والفئران وعليهن الحذر, كانت خدعة سخيفة جعلتهن فزعات, وقبلها علمت من المجموعة الأولى انهن خدعن أيضاً بقصد التخوبف بأن المكان به أفاعي , طمأنتهن أمام الرجلين بأنها خدعة سخيفة, وبدأت أسألهن رغم تحفظهن البائن, خصوصاً مهاد, فحكت آمنة أن الضابط صفعها بعنف أثناء التحقيق حين سألها عن دراستها فذكرت له انها بالسنة الخامسة بكلية الطب( تدرسين طب وطالعة مظاهرات!؟؟) وتلاها بصفعة، لم 

تتعرضا للضرب لحظة الاعتقال، لكن سولارا صفعت وضربت بالعصا لحظة اعتقالها ظهرا” من شوارع حي العباسية، تركيزي على حفظ ما قالته المعتقلات، جعلني اخلط الأسماء، فتركت أمرها، واكتفيت بتخزين رواياتهن.

“نقلت قرب منتصف الليل مع مهاد وآمنة، لقسم شرطة أم درمان الأوسط، فرفض استلامنا بسبب العدد الكبير للمعتقلين من  المتظاهرين، فتم نقلنا ومعنا 4 شبان لقسم شرطة أم درمان جنوب، هناك دونت الشرطة بدون استجوابنا البلاغات التي طلب مندوب جهاز الأمن والمخابرات فتحها في مواجهتنا وكانت هي ١/ الشغب ٢/ الإخلال بالأمن والسلامة ٣/ الإزعاج العام، ولم يفرج عني إلا الرابعة إلا ثلثا” فجر اليوم التالي بالضمان العادي.

نهار اليوم نفسه, اتصل بنا الضامنون يخبروننا بأن علينا العودة لقسم الشرطة للمثول أمام وكيل النيابة, لكن حين ذهبنا وانتظرنا لساعتين  قيل لنا أن علينا الحضور في الغد الباكر لنقلنا للمحكمة, حيث سنعرض للمحاكمة, غير أن محامين متطوعين نصحوني بتجاهل الأمر لأنه وبصيغته هذه لا يحمل أي صفة قانونية , وأخذت بنصيحتهم, لم أذهب إلا حين حضر شرطي المحكمة للضامن , وفي اليوم التالي الخامس والعشرين من فبراير مثلت مع المجموعة أمام قاضي محكمة النظام العام جلال محمد عثمان, كان المحامون مندهشون لإحالة بلاغ متهمين بالتظاهر لمحكمة كهذه  لا يمثل أمامها إلا المتهمين بالسكر المزعج و بائعات الخمور البلدية و المضبوطين في جرائم أخلاقية!!

انعقدت المحكمة في الثانية عشرة ظهراً , استعرض القاضي قصصنا كلها , لم يضبط أي منا وهو يتظاهر, لم يكن أمامه سوى شطب القضية , ليس فقط لعدم ثبوت التهم, بل وأيضاً لغياب الشاكي, الشاكي المعلوم في كل القضايا: جهاز الأمن والمخابرات.

خرجت من المحكمة, وفي ذهني صور بائسة للسلطة, لكن هذا لن يمنعني من الشروع في مقاضاة أفراد جهاز الأمن الذين انتهكوا كثير من حقوقي, ولن أتوقف عن قول الحقيقة ونقلها.

درة قمبو

الخرطوم-السودان

6 مارس 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Whatsapp
LINKEDIN