الصحفي فيصل سعد يحكي عن تجربته في اعتصام القيادة العامة :”إحترس وطنُ تَحَتَ التَّشييد”

 

ما أن أذّن الأذان بأن فجر إسقاط النظام قد لاح، ضجت  الحواس، وتهيّأ الجسد لصلاة فجر الخلاص حاضر، كيف لا.. وأن الفجر لو لاح لاجدوى للمصباح.  تدفقت الجموع البشرية  في كل مدن السودان بدءً من مايرنو جنوب النيل الازرق مروراً بالدمازين – عطبرة  -القضارف – بورتسودان -الأبيض- الترتر – نيالا – الفاشر، إلى أن  توجت الحشود البشرية الهادرة باقتلاع  قيادة القوات المسلحة. لدك بقايا الظلم التي  امتدت لـ30 سنة. هبةُ بشريةُ كانت ومازالت هي الأعلى قيمة وتاثيراً  في تاريخنا الحديث ضد الديكتاتوريات،  بعيد الحشود البشرية التي كنت اتابعها تارة فى التلفاز وأخرى عبر الوسائط الأُخرى،  لثورة السودان الذي أصبح يشار إليه بالبنان، فرفضت  نفسي إلا بالمشاركة في  هذا الحدث الذي ربما لن يتكرر في حياتي  فعجلت بالرحيل.

 طيات السَحاب

حلقت بي الخطوط الكينية في سماوات عُلا،  وكانت نفسي ايضاً تحلق معاها كلما ارتفعت الطائرة ارتفعتُ الآمالِ العِراض بغدً ظلّلنا نعمل له منذ أنّ عرفنا العمل العام.  كانت ثلاثةُ ساعاتٍ إلا دقائّق، ولعَمري أنها أطول ساعات إنتظار أشعرُ بها  على مّتن طائرة.  كنت أُمني النفسَ بأن يطوي كابتنها السّحاب طي لنرتشف من عبير الحُرية والسلام.  ما أن أعلنت مُضيفةُ الطائرة باللغتين الانجليزية والسواحلية  عن لحظات الهُبوط،  حتى صرَخ الجميع  بشعارات الثورة.  إعتلتُ الزغاريد سماءُ الخرطوم، وهنا اذكر اغنية ايمن  ماو التي كان يرددها عدد من الشباب حتى صرخت فتاتة مقاطعة بـ “ده اليوم الدايرنو ليك يا سودان مبروك عليك”.   هَبطنا  المطار، فكانت المفاجأةُ في أن هناك من رفض إنتظار البص الداخلي وحاول  الجري لصالة الوصول،  إلّا أنّ بعض افراد أمن المطار منعوه ذلك.  وصلنا وكانت هي المرةُ الثانيةُ لدخولِ مطار الخُرطوم منذٌ أن خرجت من السودان فى 2011، الأولى كانت في 2018، وشعوري حينها مُختلف، يملئني الخوف من أن تطالني يدُ بطش الإسلاميين سيئةُ الذكر. ولكن كانت هذه المرة ُالثانية  – 15 أبريل 2019- عكسُ الأولى – تماماً –  فدخلنا بإجراءاتٍ اشبهُ بالشكلية مع تصاعد عبارات الواصِليِن بـ ” هو لسة في كيزان قاعدين”.

“إحترس وطنُ تَحَتَ التَّشييد”

بعدُ الخروج من المطار كانت أولى المحطات هي إنزال “الشنطة”  والإتجاهُ نحو القيادةُ العَامة، اُولى المشاهد التي لفتت انتباهي هي عبارة ” وطن تحت التشييد” كُتِبَت هذه اللافتة  على  البّوابةُ الجنوبيةُ للقياد من مدخل شارع عبيد ختم؛  بعدُها  ضجت ترانيم الثورة ” ارفع ايدك فوق والتفتيش بالذوق ذوق ماتزعل” رُفعت الأيادي وارتفعتُ الهامات واعتلت المقامات ” مقامات الشعبُ الجَسور الذي دَكّا حِصونُ من دمر الوطنّ. شبابُ\ةُ في بواكِير الحّياة يَقِفون صداً منيعاً على  المتاريس يُبَاشّرونْك الإبتسامةُ والرقصُ على أنغامِ  شَعاراتُ الثَورة.  تأملتُ العِبارةُ جيداً وتأملتُ أوجه الشَباب،  جاشت في خاطري عملية التخريب الكبيرة التي ضربت كل أركانُ الحياة في السودان، طالت حتى أخلاقُ البشر، فقلت لمن قام بالتفتيش و كان إسمه  المُضر زين العابدين. فعلاً يا اخوي وطنا داير تَشّييد، فرد قائلاً: ” حنبنيهو”  بعدها  تجولت في كل بقعة ارض بالقيادة  بدأت بخيمة ابوجُبِيْهة – خيمة قرفنا إلى خيم السودان الجديد،   وخِتامُها بركن شبكةُ الصَحفيين السُودانيين حيث المٌستقر، في تلك الجولةُ رأيت سُوداناً يتَشكلُ   وظللت اعاود التِكراُر ليلاً ونهاراً فكل يوم ارى إبداعات طواها جبروت الحركة الاسلامية، الا انها نهضت عالية كفتاة اشرأبت لتُرضعُ القمرَ.

 “ماتمشو تخلونا باللّيل بِجازفونا”

ماظل يحضُرني من القيادة  على الدوام وهو مشاهدُ الأطفال دون الخَامسةُ عشر، الذّين ابلو بلاءً لا يُقدر، اذكرُ في يومٍ التقيتُ أحدُّهمُ وأنا في طريقي الى السوق العربي. قال لي يافردة  قدمنا معاك، ركب معي هذا الطفل  وبدء الحديث،

 إسمك منو ؟ محمد علي، هسي عمرك كم سنة؟  13 سنة، ساكن وين دار السلام سوق ليبيا. صَمْتُ  أتخيلُ  المسَْافةُ بين دارِ السلام سوق ليبيا والقيادةُ العامة.  اها جيت القيادة متين؟ والله يوم الثلاثاء هسي لي خمسة يوم. وساكْن هُنا؟ قال:  لي ايوه القيادة دي بقت بيتنا خلاص وما بتشيل هم اي حاجة انا هسي راجع البيت بس اشوف الحاجة واشيل لي غيارات واقلب طوالي.  طيب يا محمد انت هسي مُتلتل  نفسك كده ما تمشي المساء وتجي الصباح،  قال وين ياعمك المتاريس دي البحرسها منو، هذا الطفلُ من العشَرات الذين قابلتُهم.. ليس لهم أطماعُ ساسة، ولا طموحاتُ سُلطة  فقط همهم ان يَبْنو بلدٍ مُنهار،  كنت دائماً اسمع الى ترانيمهم عندما يروا من يهمُ بمغادرة القيادة  إن كنت من الكنداكات” تسمع كنداكة امشي البيت بابا بشغلا ليك”  وحينما تكون من الكبار ” ياعمو امشي البيت الحاجة تشغلا ليك” وعندما يكون العابر من الشباب في اعمارهم  تسمع ” حمودي امشي البيت ماما خايفة عليك” ولكن التَرنيمة ُالأقسى عليا؛ وهي ما حصل بالضبط في  فضُ الإعتصام كانت للشبابُ الأقوياء الذين يأتون القيادة يهمون بالمغادرة ” ما تمشو تخلونا بالليل بجازفونا” وفعلاً لقد تمت مجازفة أرواحِهم بالليل بدمٍ بارد بُغيةُ السلطة.

 

 “يا اخونا الموت الموت بجاي موت ما عادي”

 

في الثالثُ من رمضان بدأت  تلوح في الأفق بأن العسكر وبعض الساسةُ لا يريدون خير، يتربصون بالمُعتِصمين جِيئةً وذِهابا، تحرشات على امتداد الشوارع المؤدية إلى القيادة العامة!  حتى  جاء الثامنُ من رمضان يحملُ نعشَ عدد من الأرواحُ،  كنتُ حينها متجول مع الاخ الحصيفُ المنتبه لكل شاردة واردة في القيادة  كمال محمد الطيب ناحية ” الكِلنك” فقال لي كمال أخشى أن تقع كارثة بعد أن شاهد حركة مريبة. لم نكمل شربنا الشاي حتى  سمعنا اصواتُ رَصاص، وجَري ناحية عمق القيادة، تحركنا قليلاً ناحية شارع النيل فإذا بالجثمان الأول يدخل القيادة، والرصاص مازال!  تراجعنا قليلاً الى الوراء ناحية نفق الجامعة  فاذا بثلاث حاملات جرحى تمرُبنا. حتى وصل عدد الإصابات إلى 8 إصابة ، فتغمستُ الثوار رغبة الموت الاكيدة،  قام عدد منهم بالرجوع إلى متاريسُ شارع النيل قبل هدؤ الأمر بعد تدخل بعض الناس اذكر منهم الصديق حجوج كوكا  الذي تدخل لتهدئة شباب الترس قبالة شارع النيل. وعمت القيادة تظاهرات متفرقة رفضاً لمقابلةُ الثورةُ السلميةُ بالعنف، ما لفت انتباهي بالقربُ من مسجد الجامعة  تحركت تظاهرات لما يزيد عن العشر ثائر بقليل وكانت تهتف ” يا اخوانا الموت الموت بجاي.. موت ما عادي .. بدوشكا كمان.. ومعاه جنة”.  هتاف مخيف لكنه قمة الاستبسال الاستعداد لكل شي.

 

 مجزرة فض الاعتصام

 

في الثامنُ والعشرين من رمضان هطلت أمطار استمرت حتى موعد الإفطار، بعده مباشرة تحركت ناحية القيادة التي لم تكن ممتلئة بالناس كالعادة بسبب ابتلال الخيمة وكثافة برك المياه.  التقيت بكمال وأحد أقاربه الذي حضر من الخارج، تَجولنا في القيادة ُ التقيت في ذاك اليوم زهير عبد الكبير وميادة الحاج موسى،   وبعدها التقيت باسماعيل التاج، محمد سابل، وعدد من الشباب لم اذكرهم، مالفت انتباهي  شيئين الاول كانت هناك تناكر تشفط المياه  وكانت هناك جلسات غنائية لمجموعات متفرقة من المطربين والمستمعين كانت الساعة حوالي  الواحدة صباحاً. كنت أهم بمغادرة القيادة للسفر الى مسقط راسي ابوجبيهة للعيد، تفارقت مع كمال، ولكن لم أغادر القيادة حيث التقيت بحجوج، محمد هلالي، ونصر الدين الطيب. كانت هناك حركة غريبة  حوالي الساعة الثانية والنصف صباحاً هممت بِمُغادرتِهم. وفي أثناءَ المُغادرة شاهدت ما لا يقل عن مئة عربة كل عربة تحمل ما لا يقل عن عشرة أفراد بزي الشرطة، هذه المجموعة دخلت القيادة من ناحية كوبري كوبر فُتحت لها بوابةُ القيادة ناحيةُ  المطار من الاتجاه الشمالي، اتصلت بالشباب وبلغتهم ما رأيت وواصلت السير الى حيث مقر سكني، ولكن قبل  أن اخلدُ الى النوم تماماً حوالي الثالثة والنصف سمعت أصوات رصاص وصرخات عالية. تحركت مباشرة ناحية القيادة. ولكن تم إيقافي من قبل قوات ترتدي زي الدعم السريع قبالة مستشفى رويال كير منعتني مجموعة منهم السير بينما كانت الاخرى تقوم بوضع متاريس في الشارع وإغلاقه تماماً، عاودت الى منزلي ولكن ظل مشهد تتريسُ الشارع من قبل قواتُ الدعم السريع امامي الى تقاطع شارع الستين مع اوماك. وبدأت متابعة وقائع الجريمة عبر لايفات الفيس بوك.  باختصار شديد هذه تجربتي مع اعتصام القيادة العامة الذي قتل فيه الشعب السودان بدم بارد، ولم يصل القضاء حتى الآن الى الجناة، لابد من مواصلة الضغط للوصول الى كل من شارك في هذه الجريمة وتقديمه الى محاكمة عادلة لنطوي صفحة ثلاثين عاماً بدت بدماء وانتهت بدماء.

fisalsaad2010@gmal.com

T: @faisalsaads

Fac: fisalsaad2010@live.com 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Whatsapp
LINKEDIN